محمد أبو زهرة
1197
زهرة التفاسير
قصدت امرأة عمران تلك العبادة واحتسبت هذه النية راجية ما عند ربها ، وأول رجائها أن يقبل نذرها ؛ ولذلك تضرعت إليه أن يقبل فقالت : فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . أي أضرع إليك أن تقبل نذرى ، فإنك سمعت ما قلت ، وما حدثت به نفسي ، وما احتسبت به القربى عندك ، فكان النذر بذاته عبادة ، وكان الدعاء بالقبول عبادة أخرى ، فإن الدعاء مخ العبادة ، خصوصا في ذلك المقام الروحاني السامي الجليل ، والتقبل هو الأخذ بالأمر في طريق القبول ، حتى يتم القبول ، فكأنها ما كانت تطمع في القبول بادئ ذي بدء ، بل تطمع في أن ينظر في الأمر نظرة رضا حتى ينال القبول ، وتلك مرتبة الصديقين يستصغرون أعمالهم بجوار رضا اللّه . ولقد كانت إجابة اللّه تعالى لهذه العبادة التي طويت في ثنايا النذر ، والعبادة الأخرى التي طويت في ثنايا ذلك الدعاء الضارع ، ما حكاه بقوله تعالى من بعد لما وضعتها : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ . وهي في نذرها وفي ضراعتها لقبول هذا النذر كانت تفرض أن الحمل ذكر ، لأنه هو الذي يصلح لسدانة المسجد الأقصى والبيت المقدس ، ولكنها عند الولادة تبين أنها أنثى ، فذكرت ذلك ، وأشارت في ذكرها إلى تقديرها وفرضها ؛ ولذا حكى اللّه عنها أنها قالت : فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى أي أنها قدرت الحمل ذكرا ، وقدرت لذلك أن يكون في خدمة البيت وأنها لذلك تتحسر ؛ لأنه لا يستطيع المولود بعد أن تبين أنه أنثى الخدمة ، فليس في هذه الخدمة المقدسة الذكر كالأنثى ، فإن الأنثى لا تستطيع ذلك . وقوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ جملة معترضة بين كلاميها ؛ وهي تشير إلى أن اللّه تعالى أعلم منها بما وضعت ، فليس لها هذا الاعتذار لأن من تعتذر إليه ، وتتحسر بين يديه أعلم منها بما وضعته ؛ لأنه هو الذي خلقه وجعله أنثى ، وهو أعلم بما يصلح له ، وهو وحده العليم بما هيّأ له في لوح القدر ، فإذا كانت لا تستطيع خدمة البيت كالذكر فقد اختارها رب العالمين ليكون منها عيسى عليه السلام من